محمد حسين علي الصغير

178

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

أي بالقدر الذي تحتاج إليه تلك الأراضي والبلدان ، لا على النحو الذي يكون وبالا ودمارا كما أنزل ذلك على قوم نوح فيما اقتص سبحانه من خبر الطوفان ، لأن في الأخير الإفناء والإغراق ، والمراد بالانزال الأحياء والأرواء ، وهنا تنطلق الحقيقة الكبرى التي تصك الاسماع وتهز القلوب ( كذلك تخرجون ) فكما دل ما تقدم على قدرة اللّه وإبداعه في كمال تدبيره وخلقه ، فكذلك يدل على قدرته في الخلق والنشور بعد الموت وعند القيامة ، وفي هذا الاستدلال إثبات لإعادة البشر وغير البشر وذلك بجعلهم احياء بعد الإماتة ، كما أحييت الأرض بعد موتها وهو وجه التشبيه ، أي تبعثون من قبوركم أحياء كما أحيا اللّه بالماء البلد الميت . وهنا نكتة بلاغية تتعلق بلفظي الإنشار والاخراج يثيرها صاحب الميزان : « قيل : في التعبير عن إخراج النبات بالانشار الذي هو احياء الموتى ، وعن إحيائهم بالاخراج ، تفخيم لشأن الانبات ، وتهوين لأمر البعث لتقويم سنن الاستدلال وتوضيح منهاج القياس » « 1 » . 5 - وزوجية الكائنات من أعظم البراهين القاطعة على دقة المبدع الحكيم ، والبحث في دقائقها قد يخرج بالموضوع من دائرة الموضوعية ، ولكننا نشير إليه لماما : الزوجية تشمل الكائنات جميعا من الانسان والحيوان والنبات والجماد والكائنات الروحية والاقدار والموازين والاشكال والنجوم والكواكب والمتقابلات ، المرئية المحسوسة والمتصورة . وهذا دليل على دقة الخلق وعظم الابداع ودلائل الاعجاز فيه . « قال ابن عباس : الأزواج الضروب والأنواع كالحلو والحامض والأبيض والأسود والذكر والأنثى ، وقال بعض المحققين : كل ما سوى اللّه فهو زوج كالفوق والتحت ، واليمين واليسار ، والقدام والخلف ، والماضي والمستقبل ، والذوات والصفات ، والشتاء والصيف ، والربيع والخريف ، وكونها أزواجا يدل على كونها ممكنة الوجود في ذواتها محدثة مسبوقة

--> ( 1 ) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن : 18 / 87 .